عمان حديقة جيولوجية كبيرة
كتبت: شيخة الفجرية
لدى الجيولوجيين، عُمان حديقة جيولوجية كبيرة، علمنا ذلك في زيارتنا الطلابية إلى مجموعة من الكهوف تقع في إحدى الغابات المحمية في ولاية ويسكانسون بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2013، يومها كانت كل معلوماتنا عن الجيولوجيا العُمانية بأن لدينا سلاسل جبلية عملاقة ومجموعة من الكهوف. فأجابنا أحد المتطوعين الجيولوجيين ممن يقدمون خدمة مجانية لبلادهم في تنظيف الكهوف وإرشاد السياح هناك: إن بلادكم عُمان حديقة جيولوجية كبيرة، يقول عنها المختصون في الجيولوجيا أنها “متحف جيولوجي” عالمي، وأخذ يشرح لنا عن الكهوف وتحديدًا كهف مجلس الجن، وعن النوعية النادرة من الصخور في بلادنا، بينما كنا نستمع له ونحن فاغري الأفواه من الدهشة والإعجاب بما يوجد في بلادنا ولكن لم نكن نعرف عنه شيئًا.
والحقيقة أن مفردة جيولوجيا Geology تتكون من مقطعين يونانيين “جيو Geo” وتعني الأرض، و”لوجيا Logos” تعني عِلم، فكلمة جيولوجيا (علمُ الأرض) Geology أحد العلوم الطبيعية المختصّة بالأرض ونشأتها وتاريخها، وما عليها أو في باطنها من معادنَ وصخور، ومياهٍ ونفط.
ويضمُّ علم الجيولوجيا أربعَ فروع هي:
علم البِلَّورات Crystallography، وتختص بالقشرة الأرضية.
وعلم المعادن Mineralogy.
وعلم الصخور Petrology.
وعلم الجيوكيمياء Geochemistry.
ولكل فرع من هذه الفروع الأربعة تتناسل منها فروع متعددة أخرى تدرس العديد من الجزيئات والتفاصيل الجيولوجية.
وتذكر لنا النصوص التي تعود الى زمن الملك سرجون الأكدي (2340-2284ق.م) تؤكد أن مجان تصدر أحجار الدايورايت إلى مملكة أكد التي خلدت ذكرها وذكر ملوكها على مسلات الديورايت، كما استوردت النحاس من عمان دلّت مجموعة الآثار على أن تاريخ صناعة النحاس تعود إلى 5000 ق.م.
وكتب ويلفريد ثيسيجر الملقب بـ”مبارك بن لندن” في مقدمة كتابه الرمال العربية: أنه “في إمكان هذه الطبيعة القاسية أن تسحر المرء بصورة لا يستطيع أي طقس معتدل أن يضاهيها”، ففي عام 1928م نشر جورج ليز (less) بحثًا عن “جيولوجية وتكتونية عمان وأجزاء من جنوب شبه الجزيرة العربية”، واستفاد كين جليني (Glennie) عام 1974م من هذه الدراسة وعمل على تأسيس بحث علمي ضخم مدعم بالدلائل لـ”جيولوجية عمان”، تبعه بعد مدة زمنية كتاب مهم بعنوان: الدليل الميداني إلى جيولوجية عمان(Field Guide to the geology of Oman) قامت الجمعية العمانية التاريخية بنشره، للدكتور سمير حنا الاستاذ المشارك بقسم علوم الأرض بكلية العلوم – جامعة السلطان قابوس_، تحدث الكتاب عن “أن جبال عمان تحتوي أفضل قطاع صخري منكشف وبارز في العالم لصخور الأوفيوليت”، ويواصل القول، بأن” الزائر العابر لعمان لابد وأن يذهل بجبال عمان والتي تشبه إلى حد كبير المناظر الطبيعية التي لا ترى عادة إلا في أفلام الخيال العلمي (Science Fiction Films) “، فـ”هناك نماذج لجبال الألب المقببة ذات الذرى الشاهقة، وهناك أيضا المناظر الطبيعية الجبلية التي تشبه تلك الموجودة على سطح القمر”، وأن “الرواسب الثلجية القديمة المكتشفة في المنطقة الداخلية تثبت على أن عمان كانت قبل حوالي 900 مليون سنة تقع على خط عرض قريب من القطب الجنوبي، واليوم وعلى قمة جبل شمس (أعل قمة في السلطنة) يمكن مشاهدة مستحدثات ومتحجرات بحرية كانت يوما ما تعيش في المياه الضحلة للمحيط الاستوائي”. وفي عام 1982م كتب الدكتور حنا مقالًا بعنوان: “ديناصورات عُمان، نشرته مجلة (Tribute to Oman)، حين اكتشف المؤلف برفقة بريان كليسولد في بداخل صخور سائبة في وادي الخوض عظاما متحجرة أرسلت إلى متحف التاريخ الطبيعي بلندن حيث كانت مفاجأة للمختصين حين أوضحت التحاليل أن تلك العظام عبارة عن بقايا متحجرات لسلاحف وتماسيح ما قبل التاريخ والتي عاشت قديما في منطقة الخوض.. وفي عام 1987م تم اكتشاف عظم ديناصور يرجع تاريخه الى حوالي 65 مليون سنة”، وتم تقسيم البيئة الجيولوجية إلى ثلاثة أقسام في كتاب حنا:
ـ الجمال الجيولوجي: وادي الخوض- وادي الأبيض – جبل يتي- رمال الشرقية – أم السميم – بر الحكمان – رمال محوت- رأس مدركة – الربع الخالي – شاطئ المغسيل.
ـ العجائب الجيولوجية: وادي الجزي – جبال صور الحمراء – صخور الصوان في صور – جبال وادي سبت – وادي سبت – رأس الرويس – صخور محوت – قارة الكبريت – حديقة الصخور بالدقم – صخور حدبين.
ـ الجيولوجيا المهيبة: جبال مسندم – هوية نجم – وادي مستل – وادي بني عوف – وادي السحتن – جبل مشط – أخدود عمان العظيم – وادي المعيدن – رأس الجنز – رأس مركز.
وجاء في خطاب حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، طيّب الله ثراه، بمناسبة المؤتمر العالمي للبيئة والتنمية في عام 1992م: ” إن الحفاظ على البيئة مسؤولية جماعية لا تحدها الحدود السياسية للدول”، ومن هذا المبدأ انطلقت مسابقة النظافة بين الولايات والمحافظات العمانية، ومنها محافظة مُسَنْدَم التي تبلغ مساحتها نحو 1800كم2، بواقع 0.6% من مساحة السلطنة، ويمتد ساحلها _ الصخري شديد الانحدار _ على مسافة 600كم، يتبعها مجموعة من الجزر الصغيرة الواقعة في مضيق هرمز، تتحكم في الطرق الملاحية للخليج العربي، وهي جزيرة أم الغنم، وجزيرة مُسَنْدَم، وجزيرة سلامة وبناتها، وجزيرة الاتصالات، وجزيرة الخيل. تقع مسندم ضمن إقليم “الشميليّة” في أقصى شمال عُمان، وكتب عنها الرحاّلة الإنجليزي لوو Low في كتابه “أرض الشمس” أن مسندم أخذت اسمها من الكلمة العربية عُظيمة السندان في الأذن. وتذكر سوزان باسنت في تقديم كتاب عُمان في عيون الرحّالة البريطانيين لمؤلفه د. هلال الحجري أنّ “رحالة كل مرحلة كان لهم دافعهم الذي ميزهم عن غيرهم. من ذلك أنّ الذين أتوا في مطلع القرن 19م كان شغلهم الشاغل رسم خريطة الخليج الفارسي، ودراسة المياه وخصائصها في جنوب الجزيرة العربية، تلاهم رحالة كان حافزهم الرغبة في تعلّم المزيد عن سكان الداخل. وهناك منهم من يبدو أنهم دفعتهم الرغبة في اكتشاف المجهول، في حين نرى أنّ الرحالة الذين أتو حديثا كان اهتمامهم منصبًا في التحقق مما كان لعُمان من ثروة نفطية”
يقول مايلز: إن “حدود سلطان مسقط تبدأ من شعم، وتشمل خصب وكمزار ودبا “، ويؤكد ولستد الضابط الإنجليزي “أن للإمام – أي السيّد سعيد بن سلطان – قلعة في دبا”.
وعن كل هذه الجيولوجيا في مسندم، أقام النادي الثقافي جلسة حوارية بالتعاون مع اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم، أدارها الأستاذ بدر الذهلي، الذي بدأ الحديث عن أهمية السياحة الجيولوجية وما تمثله من أنواع وأنماط مختلفة، في التعليم، وسياحة المغامرات وما تدره من أموال على البلاد، وشارك في الجلسة الدكتور محمد بن هلال الكندي، الذي استعان بالجوجل إيرث وشرح جيولوجية مسندم مباشرة من خلاله، مبينًا الأطماع عليها عبر التاريخ، ثم شرح التطور الجيولوجي في تضاريس المكان، وتحدثت الدكتورة إلسا سطوت عن السياحة الجيولوجية والتنمية المستدامة للمكان، وتطرقت إلى الحدائق الجيولوجية وجهود اليونسكو في الحفاظ على الإرث الجيولوجي والتراث والثقافة المحلية، والدكتورة هدى مبارك الدايرية تحدثت عن دور الجيولوجيا في التنمية المستدامة، وعددت أنواع الجيولوجيا وما لكل نوع منها من مساهمة في التنمية، فيما تحدث الأستاذ معطي سالم المعطي عن اهتمام وزارة التراث بالتراث الجيولوجي لجعله أحد ركائز السياحة.
ويوجد الكثير مما يميز محافظة مسندم جيولوجيًا، منها: انطلاق سلسلة جبال الحجر التي تمتد لمسافة 700 كم منها لتصل إلى رأس الحد في محافظة الشرقية في الجزء الجنوبي الغربي من السلطنة، وأنها تفصل شبه جزيرة مسندم بين بحر عُمان والخليج العربي، وأن جبالها الشاهقة تتكوّن من الحجر الجيري العائد للعصر البرمي والعصر الطباشيري Permian and Cretaceous limestones ، وأن عمر هذا الحجر يصل إلى 240 مليون عام. وتبدو شبه الجزيرة في اتجاه وأسفل الساحل الإيراني، فتغرق وديان مسندم الساحلية _بسبب الضغط القادم من الساحل الإيراني_ تحت البحر، فتتولد تأثيرات مشابهة لمضايق النرويج التي تشكّلت بسبب التآكل الجليدي (Glacial erosion). ويميزها أيضًا وجود تشكيلات صخرية تشبه الأشجار الضخمة في قرية غرم البحرية، وتسمى هذه الأشكال بـ “الفيوردات”، ولا توجد هذه الفيوردات في العالم إلا في مسندم بسلطنة عُمان وفي مملكة النرويج فقط.
كل ذلك يجعلنا ننظر إلى أهمية الجيولوجيا العمانية وتفردها بالعديد من المميزات، وأن يعمل الجميع ممن له اختصاص وأمر في تهيئة ورسم خارطة السياحة الجيولوجية بما تستحقه عُمان وشعبها.