الوعي القانوني حصن المرأة العُمانية
كتبت: شيخة الفجرية
إنَّ متعة الحياة لا تنتظم على المسطرة والقلم إلا بوعي تام، نَعُدُّ له عدَّة تتكوّن من أكثر من مبراة وممحاة، سنحتاجهما في أغلب خطواتنا على طرقات الأيام. فالوعي في “مقاييس اللغة” من: وَعَيْتُ الْعِلْمَ أَعِيهِ وَعْيًا. وفي “لسان العرب”: وَعَى الشَّيْءَ وَالْحَدِيثَ يَعِيهِ وَعْيًا، وَفُلَانٌ أَوْعَى مِنْ فُلَانٍ أَيْ أَحْفَظُ وَأَفْهَمُ. وهي في علم النفس تعني حالة “اليقظة””، أما في علم الاجتماع: فالوعي نتاج لتطور فسيولوجي لمخ الإنسان. وعليه، فقد كان التعليم هو العلامة الفارقة التي أوجدت الحقوق المتوارية خلف الشفاعات “الشفيّة” كما يقول أسلافنا. أمَّا القانون فهو ” شكل معين (خاص) للضبط الاجتماعي في المجتمع المنظم سياسياً وأنه تطبيق للضبط الاجتماعي من خلال التطبيق المنظم للقوة في هذا المجتمع” كما يقول” رسكوباند Roscoe pound ” ، كما أنه في رأي “بولانتزاس- أي القانون -” ليس سوى جزء عضوي من النظام القمعي ومن تنظيم العنف الذي تمارسه كل دولة، فالدولة تصدر القواعد وتعلن القوانين لتصنع حقلاً أولى من الأوامر والنواهي والرقابة ولتخلق مجالاً تطبيقياً للعنف وموضوعاً له”. من أجل ذلك، أقام النادي الثقافي جلسة قانونية بعنوان: الوعي القانوني لدى المرأة العمانية. قدمتها الأستاذة خولة الشحية وقدمت المحامية ريم الزدجالية محاضرة قانونية وهي مؤلفة كتاب المرأة والقانون، التي أكدت في محاضرتها: أن المرأة العمانية واعية بحقوقها أكثر من السابق، بفضل التعليم، وبسبب الدور الذي يبذله المحامين لتوضيح القوانين للناس. وما ذهبت إليه المحامية ريم الزدجالية أمر حقيقي، يلامسه الواقع اليومي للمرأة العُمانية، التي عاشت خمسون عامًا من الإنجازات في ظل النهضة العمانية الحديثة. والتي أشاد “صندوق الأمم المتحدة للسكان” بدورها في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وقد سبق ذلك توقيع السلطنة على عدد من الاتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان كاتفاقية حقوق الطفل في عام 1996، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام 2005، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2008. وإذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت في 10 ديسمبر سنة 1948م، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في دورة انعقادها العادية الثالثة، بقرارها رقم 217. فإن السلطنة قدمت تماشيًا مع ذلك ثلاثة تقارير وطنية في مجال تنفيذ اتفاقية «سيداو» أمام لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة في الأمم المتحدة، وكانت أن تلقت الثناء من هذه اللجنة على الجهود التي تبذلها سلطنة عُمان من أجل تمكين المرأة، وفق ميثاق الأمم المتحدة الوثيقة الدولية الأولى ذات الطابع العالمي، التي تضمن فيها النص على مبدأ احترام حقوق الإنسان والمُساواة بين الجنسين. وكان القرار الأبرز في سلطنة عُمان والذي كان بمثابة فسحة واسعة لتعبر المرأة فيه عن نفسها هو “يوم المرأة العمانية” الذي يصادف 17 أكتوبر من كل عام، خصصه لها جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور-غفر الله له وطيَّب ثراه-.
وقد استعرضت المحامية مذكرة متابعيها ما جاء في النظام الأساسي للدولة من قوانين تدعم وعي المرأة العمانية بما يدور حولها، فالمادة (21) من النظام الأساسي تقول: المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون، أو اللغة أو الدين، أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي.
كذلك قانون العمل العُماني، فقد جعل للمرأة العمانية قواعد تضمن حقوقها، نصّت عليها المادة (80)، وهي: عدم الإخلال بالأحكام المنصوص عليها في هذا الفصل تسري على النساء العاملات في جميع النصوص المنظمة لتشغيل العمال دون تمييز في العمل الواحد بينهم.
كما جات المادة (81) شارحة أنه: لا يجوز تشغيل النساء في الفترة ما بين الساعة التاسعة مساء والسادسة صباحا إلا في الأحوال والأعمال والمناسبات التي يصدر بتحديدها قرار من الوزير. وما جاء في المادة (82) وهو أنه: لا يجوز تشغيل النساء في الأعمال الضارة صحيا وكذلك في الأعمال الشاقة أو غيرها من الأعمال التي تحدد بقرار الوزير.
كما تعمل المادة (85) على تعزيز ما سبق من حقوق، بإلزام صاحب العمل في حال تشغيل عاملة أو أكثر أن يضع في مكان العمل نسخة من نظام تشغيل النساء. وعلى ذات المبدأ مضت المادة (86) مع مراعاة الأحكام السابقة يحدد بقرار من الوزير نظام تشغيل النساء. وعليه تدفقت القوانين التي تحمي حقوق المرأة العمانية، منها المادة (83)، التي تمنح المرأة إجازة خاصة لتغطية فترة ما قبل وبعد الولادة وذلك لمدة خمسين يوما براتب شامل وبما لا يزيد على ثلاث مرات طوال مدة الخدمة مع صاحب العمل.
وعلاوة على ذلك تأتي اللفتة الإنسانية الأبرز في المادة (84) التي جاءت لتقول: لا يجوز لصاحب العمل أن يفصل عاملة لغيابها بسبب مرض يثبت بشهادة طبية أنه نتيجة الحمل أو الوضع وأنه لا يمكنها العودة لعملها بشرط ألا يتجاوز مدة الغياب في مجموعها ستة أشهر.
ويحضر الوعي القانوني مع ازدياد الحاجة الملحّة إليه في تفنيد القضايا المتعلقة بتزايد نسب حالات الطلاق في عُمان، والتي وصلت إلى 49% من نسبة النساء في البلاد، وكانت جميعها لأسباب متعددة ومسببات متوزعة بين الطرفين، الرجل والمرأة.
ثم تأتي فرصة أخرى لحل القضايا العالقة بين الطرفين متمثلة بلجنة التوفيق والمصالحة، أنا تتدخل بعد موافقة الطرفين لتحفظ حقوق الأطفال العالقين بين مشادات الأبوين، ومع تعذر جميع الحلول يأتي الخلع، الذي شمله القانون في المادة (94) والذي يحدد: أـ للزوجين أن يتراضيا على إنهاء عقد الزواج بالخلع. ب ـ يكون الخلع بعوض تبذله الزوجة. ج ـ يعتبر الخلع طلاقًا بائنًا. أما الطلاق للشقاق فيأتي في المادة (102)، والمادة (107). ثم الطلاق للعلة التي تم تفصيلها في المادة (98). وحقوق المرأة المطلقة في المادة (50)، والمادة (46)، والمادة (68)، وما يتعلّق بحضانة أبناءها وما جاء بشأنهم في المادتين (126) و(127). لتتوجَّ هذه القوانين بما يختص بنفقة الأبناء فوق الثامنة عشرة في المادتين (138)، (139) التي اعتبرت سن الثامنة عشرة هي إتمام سن الرشد من العمر.
وهكذا كانت القوانين مجتمعة تعمل على تأمين الحماية للمرأة العمانية في البيت والعمل وفي جميع مراحل حياتها وحالاتها الاجتماعية، أثناء الزواج أو الترمل أو الطلاق؛ فالمرأة العمانية فاعلة في محيطها الاجتماعي، ومشاركة في الكثير من المجالات التطوعية، الصحية والفنية والثقافية والاجتماعية، مما يعني أنها بحاجة ماسة إلى الوعي التام بالقانون مجملًا ومفصلًا؛ وهو ما خلصت إليه جلسة النادي الثقافي حول الوعي القانوني لدى المرأة العمانية؛ الكثير من هذه الجلسات ستجعل الجميع يعي دوره وواجباته في المجتمع العماني ليؤديها على أكمل وه.