النظام الأساسي للدولة، قراءة وحوار في المبادئ الأساسية للدولة ونظام الحكم بالنادي الثقافي
كتبت: شيخة الفجرية
عقد النادي الثقافي مساء الأربعاء الموافق 3 من فبراير، في النادي الثقافي جلسة عنوانها: “النظام الأساسي للدولة، قراءة وحوار في المبادئ الأساسية للدولة ونظام الحكم”.
قدمها الدكتور محمد بن سعيد الحجري، الذي بدأ الفعالية بشكر النادي على التنظيم للفعالية ثم قال: “إنَّ النظم والدساتير هي أهم الوثائق التي تنقل الدول من حالة الممارسة العفوية لنظام الحكم إلى تجسيد دولة المؤسسات والقانون، وهي الضمانة الأساسية للحقوق والواجبات سواء لأركان الدولة أو للمواطنين. النظم الأساسية أو الدساتير هي المرجعية التشريعية الأولى لكل نظامٍ سياسي، وهي التي تؤول إليها كل التشريعات والقوانين التي ينبغي دائمًا أن تنسجم معها وأن تتوائم معها لأنها هي المرجعية الحاكمة لأي نظامٍ تشريعي أو قانوني، صدر النظام الأساسي الجديد للدولة، قبل أيام وهو يمثل نقلة حقيقة، نقلة جديدة في حركة النهوض العُماني، منذ أن صدر النظام الأساسي الأول للدولة في عام 1996 ونحن نشهد هذه الحالة من النظام التشريعي الذي يجد مرجعيته في الدستور أو النظام الأساسي لا غنى لأي نظام سياسي كان من مرجعية تشريعية تمثل العقد الاجتماعي بين المواطنين وبين الدولة”. ثم قدم تعريفًا وترحيبًا بضيفه، قائلًا: “نحاور اليوم مفكرًا عمانيًا خبر دهاليز السياسة والإدارة والتشريع، وهو غنيٌّ عن التعريف، ذلكم هو المكرَّم الشيخ زاهر بن عبد الله العبري، عضو مجلس الدولة وأحد الأركان المهمة للجنة التشريعية في مجلس الدولة، نحاوره اليوم حول النظام الأساسي للدولة في حلّته الجديدة وننطلق معه في هذا الحوار لقراءة وتحليل أهم المبادئ الأساسية. المبادئ الأساسية كما رأينا أن النظام الأساسي يتكون من مجموعة من الفصول من أهم هذه الفصول هي الفصول المتعلقة بالمبادئ الأساسية للحكم، هذه المبادئ الأساسية الاجتماعية الاقتصادية الأمنية هي التي تمثل المرجعية الثقافية المرجعية الحضارية للدولة العُمانية الحديثة”، من جانبه رد الضيف المكرَّم التحية بعد الصلاة والسلام على النبي محمد وآله، ثم طاف تطوافًا شمل به وأحاط بجوانب النظام الأساسي للحكم قائلًا:” لا شك أن الاجتماع البشري مقتضٍ وجود نظام، يضمن للفرد حقوقه ويحدد له مراكزه ويحفظ له كرامته، ضمانه في الوقت ذاته لحقوق ومصالح الجماعة كلها، ذلك ناشئ من التباين بين أفراد الجنس البشري في المواهب والطاقات ذلكم التباين الذي يفرز تعاكسًا في المشارب واختلافًا في الاتجاهات، مما قد يفضي في غياب النظام والقانون إلى نوعٍ من الاشتباكِ والتعارك لاسيما أن الحياة الدنيا ساحةٌ لابد فيها من إعمال الإنسان قدراته من أجل تحصيل منافعه ودرء الأخطار عن ذاته، ومن هنا نشأت الحاجة إلى النظام. وإذا كانت النظم الأساسية في العالم قد نشأت من ظروف تاريخية معينة بعثت إليها أوضاعٌ في مجتمعات مختلفة أدت إلى أن يحتاج البشر إلى مثل هذه الوثائق التشريعية التي تعورف على تسميتها في أغلب الدول بالنظم الأساسية، وحتى في الترجمة من غير اللغة العربية إنما تعني الأساسية وإن كان قد اعتيد في بعض البلاد العربية على تسميتها بـ”الدستور”. إلا أن هذا في المجتمع العماني باعتباره مجتمعًا مسلمًا لم يكن غريبًا عليه أن يُسيِّر حياته تسييرًا صحيحًا، لأنه إنما كان يعتمد على نظامٍ تشريعيٍ يرتضيه الضمير الإنساني، ويُقرّه العقل السليم، ويعززه الواقع المعيش، ذلكم لأنه نظام جاء من عند الخالق سبحانه وتعالى في شرعه الحكيم، وهداية القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة لأشرف خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم.
وهكذا سارت عُمان تنظم شؤونها بوعيٍ لمعطياتٍ ذلكم التشريع الحكيم، وإدراكٍ حصيفٍ لمقاصده، وحسن تطبيقٍ لأحكامه وتمثلٍ لحكمه، ولكن سيرًا مع النسق المعاصر للتشريع في أغلب المجتمعات المتمدينة كما يقال، أو ذات المدنيةِ المتطورة، كان لمسيرة النهضة الشاملة من الضروري أن تواكب عُمان في نظامها التشريعي سائر الدول الأخرى، ولا ضير في ذلك، بل إنما جاء النظام الأساسي الأول مرسخًا لما كان معمولًا به ونافذًا من حكم شرع الله سبحانه وتعالى. ولهذا لم يكن غريبًا على الإنسان العماني في هذا المجتمع أن يجد الخطاب الوارد في أحكام النظام الأساسي للدولة معروفًا لديه، لأنه اعتاد على مثل هذه المعطيات الدستورية من خلال كتاب الله وصحيح السنّة والمبادئ التي أقرتها الشريعة فيها، والعلاقة بين السلطات التي تعمل في إطارها، وهي التي شاع وذاع أنها سلطات ثلاث التنفيذي والتشريعية والقضائية. وكذلك، يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكومين، ويأتي بترسيخ أهم المبادئ الموجهة لسياسة الدولة؛ ولعل ما دعى إلى إصدار نظامٍ أساسي جديد هو ما يتعلَّق بانتقالِ ولاية الحكم”.
هنا تدخل الدكتور محمد ليقول: “هذه النقطة، لا بُدَّ أننا سنقف أمامها وقفة خاصة بالذات”، ثم أكمل الحجري قائلًا:” فيما يتصل بالتطور التشريعي، كما ذكرت، عُمان ليست بعيدة، عمان دائمًا كانت قريبة من هذا التفكير في الأنساق الدستورية، هناك من يرى بأن أول نقاش دستوري في الثقافة العربية بأسرها كان في عُمان في القرن الرابع الهجري، ثم هذا الوعي بأهمية وجود نظام مرجعي لطريقة الحكم، لمنهجية الحكم، كان واضحًا امتداد التاريخ العماني والشواهد عليه كثيرة، لكن في الصيغ الحديثة للنظم الأساسية أو الدساتير. في عام 1996 صدر النظام الأساسي للدولة في صيغته الأولى ثم حدث التعديل عليه في عام 2011، واليوم نشهد نقلة أخرى عندما صدر النظام الأساسي الجديد للدولة. هنا من يقول بأن الدساتير في الأساس صفتها الثبات، أين نرى هذه الحالة من الثبات والتغيير في بنية وعناصر النظام الأساسي الجديد؟”، فأجاب الشيخ المكرم عن ذلك واختصار الإجابة كالآتي:” أن النظام الأساسي في السلطنة إنما يحقق الضمانة المقصودة من استقرار القاعدة في النظام الأساسي، وثبات الأحكام، دون أن يكون عرضة لرياح التغيير مهما كانت ضآلة قوتها بحيث أن هذا النظام لا يصار إلى تعديله إلا لأسبابٍ لها من القوة، ولأحداث بها من الخطر والأهمية ما يحمل ولي الأمر على أن يجري هذا التغيير”.
كما تم النقاش حول انتقال نظام الحكم، وتجربة العمانيين في 2020 في تطبيق انتقال الحكم الواردة في النظام الأساسي للدولة، وأثر نقل الحكم بسلاسة وأمان.
ثم عاد الدكتور محمد ليسأل ضيفه قائلًا:” نحن اليوم نعيش استهلال تطبيق الرؤية الوطنية 2040، والتي يراد لها أن تنقل عُمان إلى مصاف الدول المتقدمة كهدفٍ أسمى لها، كيف نجد أن النظام الأساسي للدولة في صيغته الراهنة الجديدة يخدم هذا الهدف بهذا القدر من الوضوح والتفصيل بهذا القدر من ضمان الاستقرار بهذا القدر من التوازن بين مبدأ سنتوقف لاحقًا أمام مبدأ الشورى والمشاركة، كذلك أمام مبدأ استقلالية القانون أمام مبدأ استقلالية القضاء، كيف نجد أن النظام الأساسي للدولة في صيغته الجديدة يلبي احتياجات الدولة لدعم الرؤية الوطنية 2040؟”
فكان مختصر إجابة الشيخ زاهر العبري في قوله: “هذا واضح في القواعد التي جاءت في المبادئ الأساسية الموجهة لسياسة الدولة”. ثم أسهب الطرفين في مناقشة المادة 12 المتعلقة بالحكم في النظام الأساسي، بعدها تطرق النقاش إلى النص الذي أقرَّ إنشاء جهاز الرقابة الذي يتبع السلطان مباشرة وما الذي يمكن الاستنتاج منه. الرقابة ذات البعد السياسي المتصلة بالرقابة على الأداء من حيث قيام هؤلاء المسؤولين بأعمالهم بالكفاءة المطلوبة التي تخدم مصالح الدولة العليا، والرقابة القضائية التي توقع العقوبة التي تردع من لا يجد في نفسه المسؤولية تجاه المصالح العليا.
بعد ذلك تمت مناقشة مفهوم الوطن الذي لم يتركه العمانيين منذ اكتشفوه لذا خاطبه العالم باعتباره كيانا سياسيا متحققا وكذلك أيضًا خاطبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم. لذلك لم تجد عُمان مشكلة في تثبيت وجودها عبر مراحل التاريخ كما قال الدكتور محمد الحجري،
أمَّا الجديد الوارد في النظام الأساسي، فهو الإدارة المحلية التي محورها توزيع الوظيفة الإدارية والابتعاد عن المركزية بغية الإسراع في الإجراء، من أجل سرعة إنجاز المعاملات، وهناك فرق بين الإدارة المحلية والحكم المحلي، الحكم المحلي غير وارد في نظامنا السياسي في عُمان، لأن الحكم المحلي لا يقوم إلا بوجود السلطات المحلية السياسية والتي تعرف بالفيدرالية أو الكونفيدرالية.
بعد ذلك النقاش الشيق حول النظام الأساسي للدولة، قراءة وحوار في المبادئ الأساسية للدولة ونظام الحكم، تقدم الدكتور محمد بن سعيد الحجري للمكرم الشيخ زاهر العبري بالشكر الجزيل مختتمًا الجلسة.
تخللت الجلسة عدة أسئلة وردت عبر وسائل التواصل الاجتماعي.