الملتقى السينمائي الأول – سينما الصحراء قراءة جمالية في فيلم (الهائمون)

0 303

عزان المعولي – جريدة عمان
في الملتقى السينمائي الأول الذي أقيم بالنادي الثقافي الأسبوع الفائت كان الفيلم التونسي الهائمون هو أحد موضوعات سينما الصحراء والذي أخرجه السينمائي والكاتب التونسي ناصر خمير حيث تم عرض الفيلم قبل الدراسة النقدية التي قدمتها الدكتورة منيرة حجيج بالأمسية الثانية من أمسيات الملتقى.
يبتدئ فيلم الهائمون بمشهد تصويري لحافلة تعبر طريقها في صحراء واسعة جدا ويظهر فيها رجل نحيل ومتمدن في هيئته الخارجية يطلب من السائق أن ينزله في القرية التي تستوطن هذه الصحراء لكن السائق ينفي نفيا جازما وجود قرية بينما يثبت وجودها شيخ عجوز يزعم معرفته بالقرية ويدله عليها، كانت مهمة الرجل هو تعليم أطفال القرية الصحراوية والتي ما إن يدخلها حتى تتكشف له ألغاز غامضة تحدث بالقرية وتؤمن بها عقولهم، يبدو لغز شباب القرية الذين ما إن يصلوا لسن معين حتى يتيهون في الصحراء وصار المجتمع القروي ينظر إلى غيابهم في الصحراء كلعنة أصابت القرية ويعجز الواحد منهم عن الاقتراب إلى حشد الهائمين الذي يختفون في غبار الصحراء، تتطور الغرابة في القرية التي يصورها الفيلم بوجود سلسلة متداخلة من الألغاز فهناك حفار يبحث في الأرض عن كنز مفقود، أطفال الحي وهم يكسرون المرايا القديمة ويعيدون تشكيلها في أنماط جديدة، ابنة الشيخ وعلامات الغرابة والغموض في عينيها، الطفل حسين وحديثه مع البئر ومارده، سيطرة الهائمين على المعلم عبدالسلام، غياب المحقق في شأن عبدالسلام وسط الصحراء، فقدان الكتاب والذي هو الأمل في عودة الهائمين، ثم ينتهي الفيلم برغبة الطفل حسين في السفر إلى قرطبة عبر البحر.
الهائمون فيلم سينمائي يستغرق فيه المشاهد برمزيات عميقة وغامضة أحيانا إلا أنه بالرغم من ذلك فهو يطرح بعدا روحيا يتجلى في تفكيك تلك الرمزيات الغرائبية من خلال أبعادها الميتافيزيقية والتي يمكن أن تفهم في سياقها الفلسفي بوصفها نمطا وجوديا يمتزج بالحداثة السينمائية، غياب الحضور الروحي في السينما العربية يتناسب مع طبيعة العصر الحديث الغارق في الماديات والذي سبق أن طرح فكرة هذا الغياب مخرج الفيلم كقضية عربية حيث يقول «أرى أن للسينما بعدا روحيا وهو غائب عن العقلية العربية لذا فلا سينما عربية»، لذلك تتجلى أبعاد الروح بوضوح سريالي في فيلم الهائمون.
يمكن القول بوضوح إن عقدة الفيلم الرئيسية تتجلى في فكرة الهائمين في الصحراء كبعد مكاني يتيه فيه أبناء القرية حيث تتراءى أفواجهم وسط غبار الصحراء بتصوير مأساوي يفسره أهل القرية بأسطورة اللعنة التي أصابتهم والتي تجعل أبناءهم هائمين وسط الصحراء لا يستطيع أحد أن يقترب منهم، تفكيك هذه الصورة التي يتمحور حولها الفيلم ينبغي أن يكون في سياق البحث الماورائي فالهائم هو التائه أو الحائر بوصفه نوعا من الغياب الحسي إلى الغياب الميتافيزيقي ولذلك فرمزية الهائمين يمكن تفسيرها بالحيرة الوجودية والغياب المطلق لفهم المعنى الكامن حول الحياة أو العالم، ولهذا يمكن تفسير الزمن الذي يهيم فيه أبناء القرية بمرحلة السؤال الذي يلح في البحث عن الجواب فلا يجد سوى الحيرة والتيه الشاسع متمثلا في الصحراء الممتدة امتداد لغز المعنى الوجودي من العالم، اللغز الذي يرفضه سائق الحافلة بإنكاره وجود القرية كإشارة لرفض العامل العصري لأسئلة المعنى وهروبه من التفكير الروحي العميق.
ينحصر الفيلم في أربع زوايا رئيسية تتمحور حولها عقدة الهائمين، حيث المعلم الذي هو بطل القصة يمثل زاوية العلم بالمادة الحياتية أو المعرفة النظرية في العصر الحداثي متمثلا بهيئته الخارجية وملامح لباسه المختلف عن المجتمع القروي الصحراوي، شخصية عبدالسلام المعلم تصور لنا انزواء المعلم عن المجتمع وعجزه عن الانخراط في مهماته الوظيفية وسط الأسطورة المكثفة التي تعيشها القرية في إطار من الحيرة والوهم، الرمزية هنا تتبنى عجز العلم المادي والفيزيائي عن تفكيك وفهم الأسطورة أو الروح، حيث إن عبدالسلام عاجز عن فهم فكرة الهائمين في الصحراء باعتبارها فكرة أسطورية روحانية في اللامعرفة المطلقة عن معنى الكينونة والعالم، يكتفي العلم المادي بالرفض والهروب عن الحس الأنطولوجي أو الكوني فبالنسبة له هذا العالم هو مادة خالصة غائبة عن الروح وليس سؤال المعنى الوجودي سوى تساؤلات غير حقيقية فيزيائيا وهذا ما يتجلى في صمت عبدالسلام الدائم تجاه أسطورة الهائمين وانحسار وظيفته في السؤال المستفهم الذي يشي بالرفض واللاتصديق، تنتهي قصة عبدالسلام بنهاية مأساوية عندما تسيطر عليه لعنة الهائمين، هذه النهاية التراجيدية تصور لنا كيف أن العمق الروحي هو أقوى من المادة أو العلم، حيث إن عجز العلم البحثي عن فهم الروح ورفضه إياها سينتهي بتفوق الروحانية الميتافيزيقية على المادة فالعجز عن الفهم يعني التسليم بالبعد الشمولي وليس الرفض القاصر عن المعنى.
مجتمع القرية الصحراوي منهمك بالإيمان بأسطورة اللعنة التي أصابت الهائمين كتصديق جمعي يتمثل في شيخ القرية الذي يكتفي بتصديق عقدة الهائمين دون القدرة على إيجاد تفسير منطقي لها، هنا تتكشف هشاشة الزاوية الثانية وهي اللاوعي الجمعي للمجتمع غير القادر للخروج عن نمطية القرية التقليدية حيث إن أقصى ما يمكن لهذا المجتمع فعله هو الخروج إلى حدود القرية وتأمل أفواج الهائمين خارجها في طريقة تشبه فكرة التسليم المأساوي والعاجز عن تقديم أي إجابة للسؤال ولذلك حطم أفراد المجتمع السفينة كرمزية واضحة لرفض أي فكرة جديدة يمكن أن تخرجهم عن محيط الواقع القروي الأسطوري، تتراءى في البيت المفتوح غالبا شخصية الحاج أو الشيخ والذي يمثل رمزية الزاوية الثالثة للمحاولة التي تقدمها التفسيرات الدينية لمعنى العالم، يكتفي الشيخ بتفكيك كتابه المزعوم فهو يرى أن الكتاب هو السبيل لفك لعنة الهائمين لكن الكتاب يجب أن لا يصل إليه أي أحد مثل كنز مزعوم يختفي تحت الأرض، الحل إذا يحمل بعدا روحيا غيبيا بالنسبة للشيخ بوصفه كتابا يصعب تفكيكه ولا يمكن الاقتراب به من الهائمين، تنتهي محاولات الشيخ في تفكيك لغز الوجود متمثلا بالتيه الصحراوي بفقدانه الكتاب كإشارة تمثلية لفقدان القدرة على الإدراك السببي لهذا العالم والتي لا تنفي تصديق الشيخ بوجود الكتاب المفقود فقدانا أبديا كإشارة للتسليم المطلق بالروح.
تظهر بعد منتصف الفيلم شخصية الضابط أو المحقق في قضية غياب المعلم عبدالسلام والذي يتفاجأ بأسطورة الهائمين وبالبدائية الدرامية التي تعيشها القرية، رمزية الضابط تتفكك في سلطته القانونية فهو رمز للسلطة والقانون الذي يحكم المجتمع بسلاحه الذي يرمز لقتل الأسطورة وإسقاط الوهم. يظل الضابط عالقا وسط سلسلة من ألغاز اللعنة التي تحاصر الهائمين، الأمر الذي يجعله يهرب من هذا الواقع الأسطوري فيخرج إلى سعة الصحراء ويغيب داخلها، هنا تتفكك أيضا رمزية القانون العاجز عن تقديم تفسير ماورائي عن الوجود أو الجهل بالمغزى الميتافيزيقي للعالم والخلق، يريد القانون أن يضع ثقل الانضباط المادي على القرية بعيدا عن أي تفسير علوي لكل ما هو غيبي والذي يفشل أيضا كما يظهر في رمزية الغياب الصحراوي.
الطفل حسين شخصية محورية في الفيلم فهو حلقة الربط بين هذه الزوايا الأربع كمثال حي للاستكشاف والرغبة الجادة بكل الوسائل لتفكيك لغز الهائمين وما يمكن أن يصل إليه المستقبل من أطروحات فلسفية وأفكار وجودية، يرفض الطفل الواقع التسليمي لحال القرية وهذا ما يتجلى بوضوح في تأسيسه لمجموعة أطفال هدفها تحطيم المرايا وإعادة تشكيلها في قوالب متناثرة، فالمرآة هي الصورة النمطية للواقع الرافض للبحث والتفسير المنطقي وتحطيمها رمزية لرفض الخنوع الفكري لوهم الأسطورة وللتصديق اللامفهوم، يستكشف الطفل القدرة الخفية والسحرية التي يؤمن بها المجتمع فهو يحدث البئر المسكونة بالمارد حسن الذي لا يسعفه في إنقاذ جدته المريضة وهنا سقوط لأسطورة القوة أو الشخصية الخارقة، الصورة المناقضة لشخصية حسين تتمثل في الحفار الذي لا يكف عن البحث الدؤوب عن كنز مفقود وهنا تظهر بجلاء فكرة البحث عن المعنى الوجودي بالطرق التقليدية الرافضة لفكرة الحداثة التفكيكية للغز المعنى ولذلك غالبا ما يتعرض لمشاكسة الطفل المضاد له في حب الاكتشاف والبحر والسفر، الطفل حسين ينتهي به الأمر في القصة بحديثه أمام قبر جدته عن عقده العزم على عبور البحر للسفر إلى قرطبة وفي هذا معنى واضح للخروج عن العالم الحسي إلى الماوراء الروحي فحل لغز الهوية الوجودية هو الخروج عن نمط المادة والأسطورة والتقليد والحداثة إلى ما بعد الحياة بوصفه ملاذا علويا أو جنة مفقودة كرمزية للأندلس، هناك شخصيات بدت وكأنها هامشية ولكنها في العمق الرمزي كانت محورية، فشخصية ابنة شيخ القرية غلبت عليها سيطرة الغموض متمثلا في الإشارات والإيماءات السريالية مثل إغماضة العينين بطريقة مأساوية والتي توحي بسحر المرأة في إثارة الأسئلة الوجودية الكبرى أو تأسيس عقلية الرجل كبعد نفساني وهو الذي أدى لسيطرة الهائمين على عقلية المعلم عبدالسلام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.